نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الثلاثاء، 5 يناير 2016

حركة حرف المضارع في اللغات السّاميّة- العربيّة والعبريّة نموذجاً



بسم الله الرحمن الرحيم
حركة حرف المضارع في اللغات السّاميّة- العربيّة والعبريّة نموذجاً

  • تمهيد

" السامية تسمية حديثة عهد اقترحها عالم اللاهوت الألمانيالنمساوي شلوتزر Scholzer عام 1781 للميلاد، لتكون علماً على عدد من الشعوب التي أنشأت في هذا الجزء من غرب آسيا حضارات ترتبط لغوياً وتاريخياً، كما ترتبط من حيث الأنساب، والتي زعم أنها انحدرت من صلب سام بن نوح، بناء على ما جاء في التوراة في صحيفة الأنساب الواردة في الإصحاح العاشر من سفر التكوين، من أن الطوفان عندما اجتاح سكان الأرض لم ينج منه سوى نوح وأولاده الثلاثة: سام وحام ويافث وما حمل معه في سفينته من كل زوجين اثنين. وقد شاعت هذه التسمية وأصبحت علماً لهذه المجموعة من الشعوب عند عدد كبير من العلماء في الغرب ومن سايرهم من  العرب" على الرغم من أن هذه التسمية لا تستند إلى واقع تاريخي، أو إلى أسس علمية عرقية صحيحة، أو وجهة نظر لغوية.

إن هذه الشعوب التي أطلق عليها خطأ اسم "الساميون" هي في حقيقة الأمر قبائل عربية هاجرت بفعل العوامل الطبيعية من جزيرة العرب بحثاً عن الماء والكلأ، ومنها تفرعت الأقوام الأخرى، يؤكد هذا القول ما ذهب إليه "كثير من العلماء الباحثين في أصل الأجناس والسلالات من أن العرب هم أصل العرق السامي، ومن أرومتهم تفرعت الأقوام الأخرى وتشعبت قبائلها، ولهذا الفريق شواهد تاريخية وعرقية ولغوية يدعم بها حجته ويثبت آراءه"([1]).

وتُعد الأفعال في اللغة العربية أحد أصناف الكلمة الثلاثة، الاسم، الفعل، والحرف، وهي من حيث الزمان تُقسم إلى ثلاثة أقسام: الماضي، والمضارع، والأمر.

وهذا التقسيم الثلاثي للأفعال من حيثُ زمانها، ينحو عدة مناحٍ، فمنها ما يتّصل بالبنية، ومنها ما يتّصل بالدلالة، وهنا، كانت العلاقة بين البنية والدلالة في الأفعال في اللغة العربية ذات أهمّيّة كبيرة، وحدّد لها علماء اللغة حدودها البنيوية وحدودها الدلاليّة، وهذا يدعو إلى محاولة الكشف عن ماهيّته وعلاقته باللغات السّاميّة الأخرى، سعياً إلى الكشف عن ملامح التقارب اللغوي وحدوده البنيوية والدلالية في تاريخ اللغة العربيّة واللغات متخذاً في هذه الدراسة العربيّة والعبريّة نموذجاً([2]).

  • الفتحُ والضّمُّ في حركة الفعل المضارع:

إن بنية الفعل المضارع في العربيّة تعتمد على زيادة سابقةٍ على بنية الفعل في صورة الماضي، وهذه السابقة هي واحدةً من أحرف (أنيت)، وهي: الهمزة، للمفرد المتكلّم المذكر والمؤنّث ، والنون: للجمع المتكلم المذكر والمؤنث، والمثنى المتكلم، المذكر والمؤنث، والياء للمفرد المذكر الغائب، والتاء للمفرد المؤنث الغائب والمفرد المذكر المخاطب، والمفرد المؤنث المخاطب([3]).

وأمّا عن حركة حرف المضارعة، فإن حركة الفتح، هي الحركة المستخدمة في بنية الفعل المضارع، في جميع أحرفه الأربعة، أَ، نَ، يَ، تَ، وهذا في بنية الفعل المضارع المبني للمعلوم، إذ هي في بنية الفعل المضارع المبني للمتجهول تتحوّل إلى الضّمّة، وفي الحروف الأربعة جميعها أيضاً، أُ، نُ، يُ، تُ.

ومن جملة التغييرات في بنية الفعل في تصريفه من الماضي إلى المضارع، التغيير الصوتيّ، إذْ تُسكّن فاء الفعل، نحو: (قَطَعَ، يَقْطَع)، ولا تسلم عين الفعل أيضاً، ولكنها في الفعل الثلاثيّ متنوّعة فهي تارةً مفتوحةً، نحو: يشرَب، وتارةً مضمومة، نحو: يأْكُل، وتارةً مكسورة، نحو: يعرِف، وفي غير الثلاثي تسير عين الفعل المضارع بوتيرةٍ مضطردةٍ، فهي مكسورة دائماً، في المبني للمعلوم، ومفتوحةٌ دائماً، في المبني للمجهول، نحو: (يَنْتصِر، يُنْتصَر).

وقد" شغل اللغويون بالمضارع من حيث حركة حرف المضارعة، فقد اشتهر في لغة أهل الحجاز أنَّه إذا بني المضارع من ماضٍ رباعي، سواء أكان رباعي الأصول أم رباعيًّا بالزِّيادة، كانت حركة حرف المضارعة منه الضَّم، فتقول: أكرم يُكرم، قطَّع يُقطِّع، دَحرج يُدحرج.

وإذا جاء ما يُشعر بمخالفته ذلك فعلى اعتبار آخر، وعليه يمكن تفسير قراءة أبي رجاء العطاردي: {فَاتَّبِعُونِي يَحْبِبْكُمُ اللَّهُ } بفتح الياء. قال الكسائي:" يقال يَحِبُّ وتَحِبُّ وأَحِبُّ ... والفتح لغة تميم وأسد وقيس، وهي على لغة من قال: حَبَّ وهي لغة قد ماتت، فنلحظ هنا أنَّ الفتح على اعتبار أنَّ الفعل ثلاثي الماضي، وليس أحبَّ الرّباعي، وهو رأي وجيه ارتضاه النَّحاس، إذ قال: "فأمَّا فتحها فمعروف يدل عليه محبوب"، وهذا إشارة إلى اسم المفعول من الثّلاثي الذي يأتي على وزن مفعول؛ كما تقتضيه القواعد الصَّرفيَّة.

وإذا بني المضارع من ثلاثي أو خماسي أو سداسي كانت حركة حرف المضارعة الفتح، فإن قيل: فلم فتحوا حرف المضارعة في الثّلاثي، وضمُّوه من الرُّباعي؟ قيل: لأنَّ الثَّلاثي أكثر من الرُّباعي، والفتحة أخفُّ من الضَّمة، فأعطوا الأكثر الأخف، والأثقل الأقل ليعادلوا بينهما .

فإن قيل: فالخماسي والسُّداسي أقلُّ من الرُّباعي فهلا وجب ضَمُّهُ ؟ قيل: إنَّما وجب فتحه لوجهين:

الأوَّل: أنَّ النَّقل من الثّلاثي أكثر من الرّباعي، فلمَّا وجب الحمل على أحدهما كان الحمل على الأكثر أولى من الحمل على الأقلّ .

والآخر: أنَّ الخماسي والسُّداسي ثقيلان لكثرة حروفهما، فلو بنوهما على الضَّمِّ لأدَّى ذلك إلى أن يجمعوا بين كثرة الحروف، وثقل الضَّم، وذلك لايجوز فأعطوها أخفّ الحركات وهو الفتح"([4]).

  • ما يُكسر من حروف المضارعة وما يمتنع كسره([5]):

يقول سيبويه:" هذا باب ما تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء كما كسرت ثاني الحرف حين قلت: فَعِل، وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز، وذلك قولهم: أنت تِعْلم ذاك، وأنا إعلم، وهي تِعْلم، ونحن نعلم ذلك، وكذلك كل شيء فيه  فَعِل  من بنات الياء والواو التي الياء والواو فيهن لام أو عين، والمضاعف، وذلك قولهم: شقيت فأنت تِشْقَى، وخشيتُ فأنا إخشى، وخلنا فنحن نِخال، وعَضضْتُنَّ فأنتنَّ تِعْضَضْنَ وأنت تِعَضِّين".

"وبتأمّل هذا النَّصِّ نلحظ أنَّ الحروف التي تكسر من حروف المضارعة ثلاثة: الهمزة، والتَّاء، والنّون، وكسر هذه الحروف لا يكون في صيغ الأفعال كلّها، وإنَّما يكون في مضارع فَعِل مكسور العين . وهذا معنى قوله: "كما كَسَرْتَ ثاني الحرف حين قلت: فَعِل"، والمراد بذلك ما جاء على  فَعِل يفعَل بكسر العين في الماضي وفتحها في المضارع.

و"ما ورد من  فَعِل يفْعِل  بكسر العين في الماضي والمضارع لا يكسر منه حرف المضارعة عند أحد من العرب، وأمَّا ما سمع بالوجهين فيكسر فيه حرف المـضارعة على لغة الفتح لا على لغة الكسر ".

وبهذا يتبين أنَّ ما كان على  فعِل يفعِل لا يكسر منه حرف المضارعة، وعلة ذلك ثقل الكسر بعد الكسر؛ ولأنَّ العلَّة في كسر حرف المضارعة فيما كان ماضيه على  فعِل  التنبيه على كسر العين منه، قال سيبويه: "وإنَّما كسروا هذه الأوائل؛ لأنَّهم أرادوا أن تكون أوائلها كثواني  فَعِل  كما ألزموا الفتح ما كان ثانيه مفتوحًا في  فَعَل  وكان البناء عندهم على هذا أن يجروا أوائلها على ثواني فعِل منها ".

  • بنية المضارع في اللغات السّاميّة:

تتميز اللغات السامية، في كونها لغة اشتقاقيّة، فهي "ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوجود معنًى أساسيّ في الصّوامت، أي: بطبيعة الوظيفة التي تؤديها الصّوامت ثمّ الصوائت"([6])، و" تذكر مقارنة معظم اللغات أن الفعل مشتق من الاسم، وحجتها في ذلك أن الأوزان الاشتقاقّية الاسمّية تطّورت تطّوراً أكبر من تطّور الاشتقاقات الفعلّية"([7]).

ويهمّنا في هذا المقام، طبيعة بنية الأفعال في اللغات السامية، فـ" الفعل المضارع احتل الرتبة الأولى لمضارعته الاسم، فهو الأصل في الوضع، ثُّم يليه الفعل الماضي؛ لما فيه ِمن بعض المضارعة، وأعني: اشتراكهما في مبدأ الزمن، ثُّم يأتي فعل الأمر؛ لأّنه لم يُحرك، ولا يُوصف به، ولا يقع موقع المضارعة، فَبَعُد عنه. ولعل تفسيراً آخر لهذا الترتيب مفاده أنّ الفعل من حيث الزمن، يُخلق مع لحظة التكلّم، وأقرب صوره المضارع لهذه اللحظة، ثُّم يسري الزمن بهذه الصورة، فتكون من الماضي، وأمّا الأمر، فلا زمن فيه، وحينئٍذ يكون وجوده بتحقق طلبه وإتمامه ويكون أخذ المضارع والماضي، بالطوارئ الداخلة عليهما، وأمّا فعل الأمر فلا تصريف فيه، لأن صيغته خاليةٌ من النهايات(الزوائد)، وأّما المضارع فاشتقاقه يتوخى السابقة، وهو أمرٌ يتطلّب إجراء تغيير صوتيّ، فدخول أحرف (أنيت) في العربية على الفعل الماضي يرافقه تسكين فاء الفعل، وقد كانت متحّركةً، وذلك نحو: قَطَعَ يَقْطَعُ، ونَجَحَ يَنْجَح، وجرحَ فمنه اجْترَحَ في السبئّية، وفي السريانّية: (ܒ ܖܥ܆ܬ( َباهِت (أخجَلُ) فحروف الكلمة)ܒܿ (: يقابل حرف الباء في العربّية و)ܖ): يُقابلُ حرف الألف في اللغة العربّية و)ܥ): يُقابل حرف الهاء و)܆): تُقابل الكسرة في العربّية، و)ܬ(: تُقابل التاء في اللغة العربّية"([8]).

  • حركة حرف المضارع في اللغات السّاميّة:

  • حركة المضارع في اللغة العبريّة:
    تصريف الفعل فى المستقبل([9]):
    1. تشكل حــروف الاستقبــال كلها بالحيريق (الكسرة)، ماعــــدا الألــــــف تشكل بالسيجول (الفتحة) ( אֶנִיִ - תִ ) .
    2. تشكل فاء الفعل مع جميع الضمائر بالسكون التام وتكون مع حرف الاستقبال مقطع قصير مغلق .
    3. تشكل عين الفعل بالحولام (الضمة القصيرة) مع جميع الضمائر عدا المخاطبة ، والمخاطبين ، والغائبين تشكل بالسكون المتحرك.
النّتائج:

  1. إذا بني المضارع من ماضٍ رباعي، سواء أكان رباعي الأصول أم رباعيًّا بالزِّيادة، كانت حركة حرف المضارعة منه الضَّم.
  2. إذا بني المضارع من ثلاثي أو خماسي أو سداسي كانت حركة حرف المضارعة الفتح.
  3. الحروف التي تكسر من حروف المضارعة ثلاثة: الهمزة، والتَّاء، والنّون، وكسر هذه الحروف لا يكون في صيغ الأفعال كلّها، وإنَّما يكون في مضارع فَعِل مكسور العين .
  4. الفعل المضارع في اللغات السامية يأخذ دلالة المستقبل أو الحاضر، وهو يحمل أحرف المضارعة ذاتها التي في العربيّة، وحركة حرف المضارعة فيها لا تتجاوز الضمّة والفتحة والكسرة، وهي متواجدة في اللغات السامية ولم يحدث لها تغيير كما حصل مع العربيّة التي انحسرت فيها حركة الكسر عن الحجاز، فهي موجودة في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز.

 كتبه/ عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان


وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين


([1]) موقع الدكتور : سليم سليمان الخماش، جامعة الملك عبدالعزيز، الموقع: http://www.angelfire.com/tx4/lisan/fiqhlughah/part_3.htm
([2]) انظر: محمود فهمي حجازي، مدخل إلى علم اللغة، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ص96 وما بعدها.
([3]) في المفرد المؤنث المخاطب مع تاء المضارعة، تضاف لاحقة (الياء والنون).
([4]) حركة حروف المضارعة، عبدالله ناصر القرنيّ، الإنترنت: مدونة الجامعة الإسلامية:
http://scholars.iu.edu.sa/index.php/scholarsAr/article/view/5753
([5]) جميع محتويات هذا الموضوع أُخذت من المصدر السابق نفسه.
[6])) فقه العربّية المقارن دراسات في أصوات العربّية وصرفها ونحوها على ضوء اللغات السامّية، رمزي منير البعلبكّي، دار العلم للملايين، بيروت، 1999م، ص4.
([7]) من خصائص المستوى الصرفيّ الساميّ (الجذر والاشتقاق) دراسة تطبيقية، إحسان فؤاد عبّاس، مجلة كلية التريية الأساسية للعلوم التربوية والإنسانيّة، جامعة بابل، العدد18، كانون أول/2014م، ص343.
([8]) من خصائص المستوى الصرفيّ الساميّ (الجذر والاشتقاق) دراسة تطبيقية، إحسان فؤاد عبّاس، ص343.
([9]) عن الد. فؤاد محمد عبد الواحد، تعلّم اللغة العبريّة، ص42-43. رابط تحميل الكتاب:
http://download-learning-pdf-ebooks.com/4088-free-book
جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة عُكاظ ©