نموذج الاتصال

الاسم

بريد إلكتروني *

رسالة *

الاثنين، 17 فبراير 2014

ملخّص كتاب: جهود استشراقية في قراءة الشعر العربي القديم: ريناتا ياكوبي نموذجاً

بسم الله الرّحمن الرّحيم
ملخّص كتاب
جهود استشراقية في قراءة الشعر العربي القديم: ريناتا ياكوبي نموذجاً
للدّكتور: عبدالقادر الرّبّاعي

بقلم: عبدالكريم عبدالقادر اعقيلان

مع الكتاب


الكتاب هو ترجمة لأعمال مستشرقة ألمانيّة اسمها: ريناتا ياكوبي، أستاذة الأدب القديم ومديرة معهد الدّراسات السّاميّة والشّرقيّة في جامعة برلين، لها بحوث متعدّدة في مجال الأدب العربيّ بعامّة، وفي مجال القصيدة العربيّة القديمة بخاصّة، من أهمّ دراساتها، كتابها: دراسات حول شعريّة القصيدة العربيّة، بالألمانيّة.
تأثير ريناتا ياكوبي: قدّمت دراساتها منهجاً جديداً لتناول الشّعر الجاهليّ، وهو منهج معاينة النّصّ في ذاته، دون النّظر إلى السّياقات التي أفرزته؛ فتحوّلت النّظرة إلى الشّعر الجاهليّ من الاهتمام بقضيّة الشّكّ والانتحال، إلى أن أصبح الاهتمام منصبّاً على معاينة النّصّ الشّعريّ الجاهليّ على أنّه فنّ.
التمهيد: مفهوم الاستشراق
يمكن القول إنّ الاستشراق بمعناه اللّغويّ يلتقي مع معاناه الاصطلاحيّ؛ ذلك أنّ بادئة ألف الوصل والسّين والتّاء، التي تشير إلى عدّة معانٍ في اللّغة ومنها: طلب الشّيء، واستحقاق الصّفة، فإنّها باقترانها بجهة الشّرق تدلّ على السّعي للاتّصاف بصفة الشّرق في لغتهم طلباً لعلومهم ومعرفة ثقافاتهم، وهذا المعنى يقرّبنا تماماً من حقيقة الاستشراق، في الاصطلاح.
ففي الاصطلاح: يمكن القول إنّ الاستشراق حركةٌ علميّة ذات طابعٍ سياسيّ، تهدف إلى الكشف عن طبيعة المجتمعات البشريّة التي تسكن شرق الكرة الأرضيّة بالنسبة لهم، ويدخل في إطار الشعوب الشّرقيّة دول آسيا بدءاً من البلاد العربيّة، ومروراً بالهند، والصّين، وغيرها.
وللحديث عن تأريخ ظهور هذه الحركة- إن صحّ التعبير- يمكن أن نشير إلى مرحلتين من مراحل الاستشراق مرّت بالأرض العربيّة:
-        الأولى: حركة الاستشراق التي كانت زمان حكم المسلمين للأندلس، وما رافقها من طلب للعلم في بلاد العرب الشّرقيّة، وقد كانت هذه الحركة ضمن حدود الدّولة الإسلاميّة، وتميّزت بالتّنافس الشّديد على تقمّص الشّخصيّة العربيّة الشّرقيّة على مستوى الدّين، واللّغة، والثّقافة، فكانت الثّقافة الشّرقيّة آنذاك مصدراً للفخر، خاصّة للعرب والمسلمين في بلاد الأندلس؛ لما للمنطقة الشّرقيّة من تميّز بوجود الحرمين الشّريفين، ومركز الخلافة الإسلاميّة، فكانت سطوتهم ذات حضورٍ بارز في حياة العرب هناك، وكانت هذه الحركة مزدوجة اللّغة، أي: تحدث من العرب وغير العرب القاطنين في البلاد الغربيّة.
-        الثّانية: حركة الاستشراق الحديثة- إن صحّ التّعبير- وهي حركة يعود تاريخها بالدّرجة الأولى إلى عصر التّمركز الاستعماريّ، وبشكل خاصّ إلى السّيطرة الأوروبّيّة على القارّات المنسيّة (في أواسط القرن التّاسع عشر، وفي ثلثه الأخير).
وقد سارت في مراحل عدّة، منها:

1.     المرحلة الأولى: إيجاد الجمعيّات الاستشراقيّة:
من أمثلتها:
-        الجمعيّة الملكيّة الآسيويّة (لندن- 1834م)
-        الجمعيّة الآسيويّة (باريس- 1822)
-        الجمعيّة الأمريكيّة الشّرقيّة (أمريكا- 1842م)
2.     المرحلة الثّانية: ظهور المؤتمرات الاستشراقيّة:
المؤتمر الأوّل: باريس- 1873م، وبلغ عدد المؤتمرات حتّى حرب 1914- 1918، ستّة عشر مؤتمراً.
o     الجهود الّتي قدّمها المستشرقون في خدمة اللّغة العربيّة:
-        نبش تراث العرب وكشف الغطاء عن المخطوطات العلوم والآداب العربيّة ونشرها.
-        إغناء التّراث العربيّ بحثاً وتحقيقاً ومنهجاً.
-        إيجاد الموسوعات والمعاجم.
-        تنشئة جيلٍ واعٍ ونشيطٍ ومخلصٍ من العلماء العرب الّذين طبّقوا مناهجهم في الكشف والتّحقيق والبحث والدّرس.
o     النّظرة العامّة للمستشرقين في عيون العرب:
كانت النّظرة العامّة للمستشرقين تحمل طابع المزاوجة بين الرّضى مع شيءٍ من الشّكّ والرّيبة، والاتّهام والإدانة من زاويةٍ أخرى، فانبرى لكل وجهة نظرٍ من ينظّر لها ويدافع عنها مؤيّداً أو معارضاً، مع استمراريّة المستشرقين في أداء مهمّتهم الّتي كلّفوا أنفسهم بها.

v  كتّاب وقفوا في وجه الاستشراق يحلّلون اتّجاهاتهم ويظهرون مثالبهم:
·       أنور عبدالملك:
أنور عبدالملك
-        مقالته: الاستشراق في أزمة- نُشرت في مجلّة (ديوجين-1963م) بالفرنسيّة وترجمت ونشرت في مجلّة الفكر العربي عام 1983م.
-        موقفه في المقالة: عدّد نواقص الاستشراق وسلبيّاته، حيث ربطه بالأطماع السّياسيّة والاستعماريّة الأوروبّيّة.
-        ردود الفعل على المقالة:
1.     فرانسيسكو غابرييلي: أثارته المقالة، فكتب وشدّد على الجانب الإيجابي من الاستشراق.
2.     كلود كاهين: جاء ردّه انفعاليّاً، فقد ردّد نغمة التّفوّق المعرفيّ والمنهجيّ للمستشرقين الأوروبّيّين، وتباهى بفضلهم على المسلمين في تعريفهم بتراثهم.
·       إدوارد سعيد:
إدوارد سعيد
-        كتابه: الاسشتراق: المعرفة- السّلطة- الإنشاء. صدر باللّغة الإنجليزيّة في أمريكا عام 1978م، وترجمه إلى العربيّة كمال أبو ديب في طبعة أولى عام 1981م، وونشر في طبعةٍ ثانية عام 1984م.
-        رؤيته العامّة عن الاستشراق:
يرى أنّ الاستشراق- وخاصّة: البريطانيّ، والفرنسي، ثمّ الأمريكيّ، بعد الحرب العالميّة الثّانية، أقام دراساته لتراث الشّرق- ومنه التّراث العربيّ والإسلاميّ- على مبدأ تفوّق الغرب، وحقّه في امتلاك الشّرق، لتخلّف الأخير وعجزه، فرسموا- بذلك- صورةً للشّرق غير صورته الحقيقيّة.
-        أهمّ أفكار إدوارد سعيد عن الاستشراق بشكلٍ عامٍّ (العرب والشّرق الأقصى):
أفكاره كما تظهر من كتابه كما يأتي:
-        الاستشراق أسلوب فكريّ قائم على تمييز وجوديّ أنطولوجيّ ومعرفيّ ابستمولوجيّ للسّيطرة على الشّرق، وامتلاك السيّادة عليه.
-        بداية الاستشراق كانت في يد البريطانيّين والفرنسيّين (بداية القرن التّاسع عشر إلى الحرب العالميّة الثّانية) وبعدها سيطرت أمريكا على الشّرق، ونهجت نهج فرنسا وبريطانيا.
-        الاستشراق كان عبارة عن أفكار مشبعة بمذاهب التّفوّق الأوروبّيّ، وبشتّى أنواع العنصريّة العرقيّة والإمبرياليّة، وبأفكار مذهبيّة جامدة عن الشّرق بوصفه تجريداً لا يتغيّر.
-        الاستشراق مجرّد موضوع أو ميدان سياسيّ ينعكس بصورة سلبيّة على الثّقافة والبحث والمؤسّسات، وكذلك سلسلة من المصالح التي يخلقها الاستشراق ويحافظ عليها بوسائل الاستكشاف والتّحرّي اللّغويّ والنّفسيّ والاجتماعيّ ونحوها، فهو باختصار: "يمثّل بعداً هامّاً من أبعاد الثّقافة السّياسيّة الفكريّة الحديثة".
-        أهمّ أفكار إدوارد سعيد عن الاستشراق في العالم العربيّ والإسلاميّ:
-        العالم العربيّ والإسلاميّ واجه الاستشراق بتحدٍّ كبير، فحمل الاستشراق في داخله موقفاً إشكاليّاً بإزاء الإسلام، ولم يغب عن ذهن أيّ غربيٍّ أن يكون الإسلام قد فاق أوروبّا وسما عليها.
-        حملة نابليون على مصر عام 1798م، أولى ثمرات الاستشراق التي غرسها المستشرقون من معارف عامّة حول الشّرق، والعرب والمسلمين خاصّة.
-        مقالة إدوارد في مجلّة أدب ونقد:
-        ربط فيها بين الاستشراق والعولمة والإمبرياليّة، وما أنتجته من أفكار حول صراع الحضارات- هنتنغتون، وأنّ المستشرقين الباحثين هم على بمثابة باحثين مأجورين من نوعيّة المستشارين الأمريكيّين للبيت الأبيض.
-        يربط بين الاستشراق والوجه السّالب للعولمة، وهو يربط ذاته بالتّوجّه الإنسانيّ، قال: " فكرتي في الاستشراق كانت استعمال النّقد المستمدّ من التّوجّه الإنسانيّ لفتح مجالاتٍ جديدةٍ للصّراع وتقديم سياقٍ متواصلٍ من التّفكير والتّحليل بدلاً من ردود الفعل الغاضبة، التي تقيّد تفكيرنا".
-        ردود الفعل على الكتاب:
-        أحدث الكتاب رجّة عنيفة في أوساط المستشرقين والمستعربين والمهتمّين، فانقسموا ثلاثة أقسام:
1.      فريقٌ احتفى بالكتاب فكتب معزّزاً له.
2.      فريقٌ صُدم بهذه الآراء، فانبرى يؤلّف ضدّها. (برنارد لويس- أمريكيّ)
3.      فريقٌ كان متوازناً، لا يُخطّئ إدوارد، فيراه بالغ في الاتّهامات. (مكسيم رودنسون- فرنسيّ)
-        ظهرت بعض المؤلّفات الّتي تشرح هذا الانقسام مثل:
-        الاستشراق بين الإنصاف والإجحاف- عبدالله عليّ العليّان.
-        الاستشراق بين دعاته ومعارضيه- هاشم صالح.
-        الباحثون العرب وموقفهم من إدوارد سعيد:
1.      كان المحتفون به أكثر من منتقديه.
2.      أبرز منتقديه: صادق جلال العظم (بحثه: الاستشراق معكوساً)، الذي لا ينكر الأفكار المشوّهة عن الشّرق، لكنّه ينكر أن يكون ذلك استراتيجيّة ثابتة للعقل الأوروبّيّ.
*****


الفصل الأوّل: أصول شكل القصيدة
عرضت فيه الكاتبة ريناتا لنوعين من أشكال القصيدة العربيّة: المقطوعة المونوثيميّة (التي تحتوي على موضوع واحد هو ، غالباً، رسالة موجّهة لإنسانٍ ما). والقصيدة البولوثيميّة (التي تشتمل على موضوعات مختلفة انضمّت إلى بعضها بعضاً دونما إشارة إلى تخلّص أحدهما من الآخر، أحياناً، ودون سببٍ واضحٍ لتتابع الموضوعات فيها). وقدّمت لوصف وجود هذين النّوعين من القصائد في الأدب العربيّ وتقديم تحليل لفهم هذا النّظم. وهدفها: الوصول إلى إمكاتنيّة توضيح تلاحق الموضوعات بالكيفيّة التي جاءت عليها، وقد جعلت تركيزها على القصيدة التي تنتهي بالمديح؛ كونه أكثر النماذج أهمّية في الشّعر الذي ترى الباحثة أنه كان في طوره للتّشكّل والبروز. وجاء في خلاصة هذا الفصل:
1.      للقصيدة العربيّة نموذج ثلاثيّ مؤلّف من : النّسيب- الرّحيل- الموضوع، وهو نموذج مقبول من المجتمع القبليّ، وهو النّموذج الأمثل؛ لأنّه عالميّ في العقل الإنسانيّ، ولا يحتاج إلى شرحٍ أو توضيح، وهي بذلك تردّ على من افترض بأنّ للقصيدة العربيّة قصيدة أصل غير معروفة وأنّ ما بين أيدينا سوى جزء غير تامّ، ولكنه يبقى دالاًّ على شكلٍ للقصيدة كانَ متّحد الأجزاء وله معنى(بلوخ)، أو أنّ القصيدة العربيّة قد تغيّرت في ما قبل الإسلام في أثناء نقل الرّواة لها (بلاشير). وقد وصلت إلى هذه القناعة من خلال تتبّعها لمجموعة من النّصوص التي حفظت منذ الجاهليّة، أهمّها:
يا دار هندٍ عفاها كلُّ هطّالِ*بالجوّ سحيق اليمنة البالي
(عبيد بن الأبرص) فخر وذكر الشباب
أرحلت من سلمى بغير متاع*قبل العطاس ورعتها بوداع
(المسيب بن علس)مدح القعقاع بن معبد
يا دار ميّة بالعلياء فالسّند*أقوت وطال عليها سالف الأبد
(النّابغة الذبياني) مدح النّعمان أبي قابوس
*****

الفصل الثّانيّ: النّاقة: مقطعاً من قصيدة المديح

تفترض الباحثة في هذا الفصل أنّ هناك تعارضاً محدداً بين المقاطع الأساسيّة في القصيدة وهي: النسيب- النّاقة- المدح، وترى أنّ التّغيير لم يطل النّسيب والمدح، بينما أصاب موضوع النّاقة تغييراً جوهريّاً- منذ عصر ما قبل الإسلام حتى العصر العبّاسيّ.
وهي لا تنفي التّغيير عن النّسيب والمديح، بل تشير إلى بروز هذين العنصرين في وجوه متعدّده من التّغير والتّطوّر الدّاخليّ، إلاّ أنّهما استمرّا يشكّلان عنصرين جوهرييّن في النّوع الأسلوبيّ للقصيدة.
أمّا رؤيتها للنّاقة فقد أشارت إلى التّغير، حيث كانت في البداية نواة الفخر للقبيلة ولها وزن كبيرٌ ثمّ أصبح الجزء الموسّع في قصيدة المديح، ثم بدأ ينضب بالتّدريج حتى اختفى أخيراً. وترى أنّ وظيفة النّاقة في القصيدة هي أوّل تغيّر طرأ، قبل أن تشرع في الاختفاء من القصيدة.
وكانت خلاصة بحثها في هذا الجانب كما يأتي:
1.      لم يكن تحديد مقطع النّاقة في القصيدة العربيّة قبل الإسلام صادراً عن وجهة نظر مادحيه، بل كان تعبيراً عن حياة القبيلة والمجتمع القبليّ، ولذلك أطلقت على قصائد هذا الشّكل بـ(قصيدة القبيلة).
2.      بداية التّغيّر في وظيفة مقطع النّاقة يأخذ مكانه في النّصف الأوّل من القرن السّابع الميلاديّ، اي: خلال جيلين ممّن عُرفوا بالمخضرمين.
3.      طبيعة التّغيّر متوازياً، فقد انتقل وصف النّاقة في القصيدة من الاتجاه القبليّ إلى الاتجاه البلاطيّ، أو من قصيدة القبيلة إلى قصيدة البلاط، وكان التّغيّر الملازم لانتقال القصيدة من القبيلة إلى البلاط، هو التحوّل من ثلاثيّة النسيب والناقة والمديح إلى ثنائيّة النسيب والمديح، ولم يعد مقطع النّاقة في القصيدة يشكّل مقطعاً مستقلاً بل صار جزءاً يسيراً من قصيدة المديح، وهذا في قصيدة المديح العبّاسيّة.
4.      إنّ وصف ابن قتيبة للقصيدة لا يلائم " قصيدة القبيلة " بل يماثل قصيدة المديح في العصر الأمويّ، وقد اختفى هذا الأمر في عصر ابن قتيبة.
5.      الوحدة السّرديّة لقصيدة القبيلة قد استبدلت بها وحدة الوظيفة، وهذا يعني أنّ القصيدة العربية في مراحل تطوّرها فقدت أسلوبها السّرديّ، وسماتها الوصفيّة- إلى حدٍّ ما- ثم صارت – بشكلٍ رئيسيّ- بلاغيّة الأسلوب، مدنيّة الطّباع.
*****
الفصل الثّالث: شعر الغزل الأمويّ- موضوعاته، وتحوّلاته
تهدف الباحثة من خلال هذا الفصل إلى توضيح التناقض بين الموضوعات وتحوّلاتها في القصيدة العربيّة في العصر الوسيط؛ سعياً لإدراك التّغيّر الأساسيّ في المستوى الشّكليّ والمستوى المفهوميّ.
وقد اختارت من أجل تحقيق هذا الأمر تحليل تنوّع أمويّ لنمطٍ شعريّ خاصٍّ بعصر ما قبل الإسلام، وهو آثار الرّبع الصّحراويّ (الأطلال) حيث يقف الشّاعر متذكّراً محبوبته التي افتقدها.
وترى الباحثة أنّ وظيفة الأطلال تحوّلت- ليس إلى أنواع شعريّة أخرى- بل بقيت داخل المنظور الخاص بشعر الحبّ، وتحوّلت من النّسيب(مكابدة ألم الفراق عن المحبوبة) إلى الغزل، وترى أنّ أسباب ذلك التّحوّل تتمثّل في الانتقال من الحياة البدويّة إلى المجتمع المدنيّ الإسلاميّ، الذي بدأ يأخذ سبيله تدريجيّاً.
وقد وصلت الباحثة إلى هذه الرّؤية من خلال تحليلها لنصّين شعريّين: أحدهما لـ(عمر بن أبي ربيعة) والآخر لـ(الوليد بن يزيد) كونهما اشتهرا بتجديد شعرهما الغزليّ، بالإضافة إلى كونهما ينتميان إلى جيلٍ واحدٍ، واشتراكهما في الاستقلاليّة الشّخصيّة ولا ضرورة لأن يتطابق ذوقهما مع ذوق  الممدوح، كون ابن أبي ربيعة أرستقراطيّ من مكّة ، والوليد عضوٌ في العائلة الحاكمة، وقد وضعت الباحثة مرجعاً تستند إليه في معالجتها التحليليّة وهي قصيدة امرئ القيس، كونه أشهر شاعرٍ عالج مسألة الأطلال في شعره:
قفا نبك من ذكر حبيبٍ ومنزل                 بسقط اللّوى بين الدّخول فحومل     (امرؤ القيس)
عوجا على الطّلل المُحْوِلا              والرّبع من أسماءَ والمنزلا               (عمر بن أبي ربيعة)
عوجا خليليّ على محضرٍ               والرّبع من سلامة المقفر     (الوليد بن يزيد)
وقد أظهرت الباحثة عدّة مستويات التحليل وهي:
-        المضمون
-        بناء النّص
-        المستوى السّيميائيّ
وقد ناقشت في نهاية التحليل وظيفة الأطلال وخرجت بالآتي:
الوظيفة الأصليّة للأطلال أنها مثيرةٌ للذّكريات، وبالتّالي فإنّ لحظة التذكّر اختلفت في العصر الأمويّ عنها في عصر ما قبل الإسلام؛ فحين يقرّر الشّاعر الرّحيل لينسى ألم فراقه عن محبوبته، ويحافظ على اتّزان عقله، لم يكن الأمر كذلك في الفترة الأمويّة، فهو في العصر الجاهليّ حلٌّ جماعيّ، وهو في العصر الأمويّ حلٌّ فرديٌّ، ونهايته كذلك اختلفت فقد يكون اللقاء بعد أن كانت القصيدة الجاهليّة تزرع بذور اليأس أو المستحيل، وهذا لدى عمر بن أبي ربيعة، أمّا عند الوليد بن يزيد فقد كانت نهاية أطلاله مزيداً من الكآبة، إلا أنّه شحن أطلاله بالموسيقى والنّشوة المفرطة مغالياً في الحبّ والكره.
ويفهم من خلال هذا البحث أنّ تحوّل وظيفة الأطلال تأثّر بطبيعة الحياة- كما قالت الباحثة بذلك- إلا أنّه لم يستطع أن يلغي معاني النسيب من ذكرياته، كما ذكرت عن الوليد، بل إنّها أخذت منحىً أكثر غرقا في السّوداويّة و الكآبة، وبذلك نستطيع القول بأنّ الأطلال بين العصر الجاهليّ والأمويّ كانت في ثلاث صور تشترك كلها في إثارة الذكريات ولكن اختلفت النهاية كما يأتي:
-        نهايتها في القصيدة الجاهليّة الانتقال أو الرّحيل
-        نهايتها في العصر الأمويّ:
1.      التّعويض
2.      اليأس
وعليه يمكنني أن أقول إن الأطلال في القصيدة الجاهليّة هي أكبر من مجرّد تقليد درج عليه الشّعراء، بل إنّ الأطلال تحمل في طيّاتها فلسفة الشّاعر الجاهليّ ونظرته للوجود، وهو الذي كانت نفسه مهيّأة لتحمّل دينٍ جديد، ورسالةٍ سماويّةٍ عالميّة، بتقدير الله تعالى، فقد يرى في ارتحاله أملاً لشيءٍ جديدٍ.
أمّا النّهاية كما أظهرت الباحثة لدى الشّاعرين الأمويّين فقد كانت تعبيراً عن حالهما في واقع الأمر، ونفسيّتهما التي تتأثّر بطبيعة حياتهما المدنيّة، وهذا يؤكّد على صحّة ما توصّلت إليه الباحثة من أنّ " أسباب التّحوّل في وظيفة الأطلال تتمثّل في الانتقال من الحياة البدويّة إلى المجتمع المدنيّ الإسلاميّ، الذي بدأ يأخذ سبيله تدريجيّاً ".
*****

الفصل الرّابع: الزّمن والحقيقة في النّسيب والغزل
ترى الباحثة أنّ ظهور الغزل بوصفه موضوعاً شعريّاً مستقلاًّ ومفصولاً عن النّسيب الذي تستهلّ به القصيدة العربيّة، واحداً من التّطوّرات الثّوريّة القليلة التي شهدها تاريخ الأدب العربيّ، وسعت من خلال هذا البحث إلى الكشف عن عوامل هذا التّطوّر، وترى فيه موضعاً خصباً للدراسات والنّقاشات لما ترى فيه من مشكلات نقديّة ما زالت تنتظر الحلّ.
وقد حدّدت الباحثة عوامل التّغيّر في الوعي الجماليّ لشعر الغزل، وجعلتهما في عاملين:
-        التجربة الزّمنيّة الجديدة
-        الموقف الجديد تجاه الحقيقة
واعتمدت الباحثة من أجل ملاحظة تأثير العاملين السّابقين في إحداث التّطوّر الذي أفرز استقلاليّة الغزل وتميّزه عن النّسيب على تحليل "قصيدة حبّ" ومقارنتها بالنسيب في شعر ما قبل الإسلام، مع اهتمام خاصٍّ بالموتيفات والمضامين.
وقد كانت القصيدة للشّاعر (أبو ذؤيب الهذليّ- ت: 28هـ) وهي منسوبةٌ أيضاً إلى شاعرين آخرين: أحدهما رجلٌ خُزاعيّ، والآخر: سليمان بن أبي دوباكل المعاصر للأحوص، والباحثة تميل إلى نسبة القصيدة إلى أبي دوباكل. وقد وردت للقصيدة روايتان وقد جعلتهما على تسميتين (أ) و (ب) :
(أ‌)     من أبياتها:
يا بيت دهماء الذي أتجنّبُ            ذهب الشّبابُ وحُبُها لا يذهبُ
ما لي أحنُّ إذا جِمالُك قُرِّبَت          وأصدُّ عنك وأنت منّي أقربُ
(ب‌)           ومن أبياتها:
يا بيت خنساء الذي أتجنّبُ           ذهب الشّباب وحبّها لا يذهبُ
أصبحتُ أمنحك الصّدود وإنّني                 قسماً إليك مع الصّدود لأجنبُ
وكان تحليلها للقصيدة معتمداً على تحليل المضمون بشكلٍ بارزٍ وصولاً في نهاية التّحليل إلى إبراز دوز الزّمن والحقيقة في تشكيل هذا المضمون الغزليّ للقصيدة العربيّة التي استقلّت به، وهذا التّحليل المضمونيّ يعدُّ أمراً مقبولاً لأنّه البحث في ذاته بحث في المضمون، أو موضوع القصيدة- الغزل، ولم يخلُ التّحليل من الإشارات الأسلوبيّة والصّوتيّة والسّيميائيّة، لما لها من دورٍ في تأكيد المعنى وتوجيهه.
قسّمت الباحثة الزّمن إلى قسمين:
-        الزّمن بصفته عاملاً موضوعيّاً في القصيدة
-        الزّمن بصفته تجربةً ذاتيّةً مرّ بها الشّاعر
وصوّرت الباحثة صورتين  للزّمن:
-        صورة الحدث الذي يسير في خط مستقيم، أو زمناً تاريخياً، وهو الذي يتمثّل في اللآثار الدّارسة والرّبع المهجور، ونحو ذلك.
-        صورة الحدث الذي يسير بشكل دائريّ، أو حركة متجدّدة، كالطبيعة ذاتها، والفصول الأربعة، ونحوها.
الزّمن بين النّسيب الغزل
-        في النّسيب والغزل: الزّمن يظهر بشكليه الدّائريّ والمستقيم.
-        شاعر النّسيب والغزل: يتكلّم كلُّ واحدٍ منهما في الحاضر، لكنّ تجربتيهما مختلفتان، فشاعر النّسيب يمدّ عقله نحو الماضي، وشاعر الغزل يتحوّل نحو المستقبل.
-        أهمّ نقاط الاختلاف بين النّسيب والغزل في البداية: فبداية النّسيب: حزينة دائماً وغير مرضية؛ نظراً لكون الحبّ والسّعادة قد ذهبا، فالشّاعر إما أن يستدعي الماضي من أجل أن يستردّ بعضاً من قيمة نفسه، التي قلّل من شأنها، أو أن يزوره طيف محبوبته ويعيد إلى خياله ذكريات تجربة السّعادة السّابقة معها، وبذلك عاش الشّاعر في النّسيب أزمةً عاطفيّة، دفعته إلى البكاء، ثمّ هو يقطع علاقته العاطفيّة من أجل أن يتوافق مع مطالب المجتمع القبليّ؛ وبذلك، نادراً ما تظهر آماله ورغباته في المستقبل.
أمّا بداية الغزل: فالاهتمام بالماضي فيه مصروفٌ إلى شؤون الحبّ في الحاضر، وهذا يعني أنّ خيال الشّاعر، قد سيطر عليه المستقبل، موزّعاً بين الأمل والخوف.
-        الزّمن الإنساني والزّمن الجاري في الطّبيعة: لا يتعارضان في النّسيب، بل هناك تضادّ آخر مدرك في المكان الزّمانيّ: أي بين الزّمن التّاريخيّ والزّمن الجاري في الحياة الإنسانيّة، وهكذا فإنّ مشاعر الحبّ تجري عبر حركة الزّمن غير المستقيمة وغير الدّائريّة، وإنّما المستمرّة، فتجربة الزّمن: تقتضي ضمنيّاً استبطان الذّات الذي لم يكن معروفاً للشّعراء في العصر الجاهليّ.
الحقيقة بين النّسيب والغزل
-        النّسيب: مثل الملاحم الأدبيّة القديمة، تأتي الحقيقة في جوهرها منفصلة تماماً عن المعاين، إذ يصف الشّاعر ما يراه وما يسمعه، دون أن يروي لنا ماذا يفكّر، أو يشعر إزاء ما يصف.
-        الغزل: تظهر المشاعر للعيان، وما هو حسّيّ يستبدلُ بها، شيئاً فشيئاً، انشغال الشّاعر بنفسه وبحياته العاطفيّة.
-        شاعر النّسيب: ينظر إلى نفسه على أنّه منفصلٌ عن العالم.
-        شاعر الغزل: ينظر إلى العالم علة أنّه جزءٌ منه.
*****



الفصل الخامس: الخيالان- موتيف تنوّع الخيال
تعرّف الباحثة الخيال بقولها: " هو رؤيا المحبوبة تظهر ليلاً". ويفهم منها في ثنايا البحث أنّها تقصد الطّيف الذي يذكره الشّعراء في قصائدهم، وهي تتناول ظاهرةً برزت في بعض قصائد بعض الشّعراء ورد فيها ذكر الخيال في صيغة المثنّى أو تكراره، في إشارةٍ إلى كونه ليس خيالاً واحداً وإنما خيالان، وهي تبحث في إثبات هذه الظّاهرة، ووصفها؛ محاولةً تفسير وجودها وفهم طبيعة الخيال في القصيدة ودوره في بنائها ومضمونها؛ وهي تنظر إلى هذه الظّاهرة على أنّها باتت جوهراً أكثر منها مجرّد شكلٍ يظهر في حلم الشّاعر.
-        بداية بروز الظّاهرة (برأي الباحثة):
لا تملك الباحثة من البراهين ما يجعلها تجزم بنقطة البداية الأكيدة لهذه الظّاهرة، ولذلك فهي تعبّر عن بدايتها بألفاظ مثل: "أظنّ" و "ومن المحتمل"، وهذا من الموضوعيّة في البحث؛ حيث نظرت الباحثة إلى الظّاهرة من خلال ما توفّر لها من قصائد أو ما اطّلعت عليه، ولكنّها أشارت إلى إمكانيّة أن تكون البداية للظّاهرة مع وضوح مفهومها لدى الشّعراء في الفترة المتأخّرة من العصر الأمويّ، والمتقدّمة من العصر العبّاسيّ، وهي في معرض حديثها تشير إلى مثالٍ واحدٍ مرويٍّ من العصر الجاهليّ تؤكّد على ضرورة أخذه بعين الاعتبار، وهو قول عمرو بن قميئة (480م):
نأتك أمامة إلاّ سؤالاً                  وإلاّ خيالاً يوافي خيالاً
-        الخيالان: حسب توصيف الباحثة للظّاهرة:
1.     ورد ذكر(الخيالين) في مقطوعتين فقط، ذُكر فيهما التّعدّد صراحةً:
- قول البحتريّ:
1- وما زالت الأحلام حتّى التقى               خيالان باغي نائلٍ ومنيلُ
2- بتنا على رقبة الواشين مكتنفي     صبابةً نتشاكى البثَّ والكمدا
إمّا سألت بشخصينا هناك فقد                 غابا، وأمّا خيالينا فقد شهدا
2.     وقد ورد الخيالان ولكن بصورة مفردة، ومنه قول عمرو بن قميئة المذكور في بداية الملخّص:
نأتك أمامة إلاّ سؤالاً           وإلاّ خيالاً يوافي خيالاً
ومنه أيضاً، قول قيس بن ذريح:
وإنّي لأستغشي وما بي نعسةٌ              لعلَّ خيالاً منك يلقى خياليا
3.     قد ترد مفاهيم أخرى لها ارتباطاتها الدّلاليّة بمفهوم الخيال، الذي تقصده الباحثة، ومن هذه المفاهيم:
- الطّيف:
مثل قول أبي تمّام:
دسّت له طيفها كيما تصالحــه           في النّوم حين تأبى الصّلح يقظانا
فلم يجد عند طيفي طيفها فرحاً                 ولا رثــى لــتــشــكّــيــــــــــــــــــــــه ولا لانـــــــــــــــا
حسبتِ أنّ خيالي لا يكون لما                 أكون من أجله غضبان غضبانــــا
- الرّوح:
مثل قول جميل بن معمر:
أظلُّ نهاري لا أراها وتلتقي  مع اللّيل روحي في المنام وروحها
4.     منشأ فكرة الخيال في ذهن الشّاعر- حسب توصيف الباحثة- يكون في الحلم، أو النّوم، أو في آخر اللّيل، وهذا يعني أنّ تصوير الشّاعر لـ(الخيال) يوظّفُ مفاهيم الحلم والنّوم واللّيل كحدودٍ زمنيّة يتحرّك فيها الخيال، أو الطّيف، أو الرّوح، قال أبو تمّام:
زار الخيــــال لها بل أزاركـــــه         فكر إذا نام فكر الخلق لم ينم
ظبيٌ تقنّصْته لما نصبتُ له    في آخر اللّيل أشراكاً من الحلم
5.     تقدّم الباحثة تفسيراتٍ لهذه الظّاهرة من خلال تحليلها للأبيات التي درستها، ومنها:
- المحافظة على استمراريّة العلاقة، ومثالها قول أبي نواس:
إذا التقى في النّوم طيفانا              عادا إلى الوصل كما كانا
- إعادة العلاقة حين تنقطع في اليقظة، مثل قول أبي نواس أيضاً:
يا عاشقين اصطلحا في الكرى                فأصبحا غضبى وغضبانا
كــــــــذلـــــــــك الأحـــــــــــــــلام غــــــــــــرّارةٌ                   وربّـــــــــــــمــــــــــــــا تصدق أحيانا
- تعويض الشّاعر عن غياب المحبوبة، واليأس من وصالها في اليقظة، مثل قول البحتريّ:
تهاجرٌ أممٌ، لا وصل يخلطــــــــــــه               إلاّ تزاورُ طيفينا إذا هجـــــــــــــــــدا
وقد يزير الكرى من لا زيارته                  قصدٌ ويدني الهوى من بعد ما بعدا
6.     تخلص الباحثة إلى أنّ مفهوم الخيالين بدأ إدراكه على أساس أنّه مفهوم يستلزم تقسيماً ثنائيّاً موزّعاً بين الرّوح والجسد، ومؤكّداً الانسجام مع التعاليم الإسلاميّة، وهو عبارة عن مزيج بين تراثين: شعريّ ودينيّ، وقد تمّ بناءً على رغبةٍ من أهل الحديث، تهدف إلى نقض الأعراف التي كانت سائدة في عصر ما قبل الإسلام.
7.     وتنهي الباحثة بمجموعة من الأسئلة تعبّر عن صراحتها في خشيتها من أنّه ليس هناك نتائج محدّدة لهذا البحث، وهي قد حاولت تدوين بعض النّقاط- على حدّ تعبيرها، من هذه الأسئلة:
- ما العلاقة بين إنسان ما وطيفه، أو خياله، أو خيالها؟
- أين يجتمع هو مع الطّيف أو الخيال؟ أفي حلم الشّاعر أم في حلم محبوبته؟ أو ربّما مكانٍ محايد؟
- أيجب أن يكون كلا المحبّين نائمٌ في وقتٍ واحد؟ أم بمقدورأحدهما أن يبعث خياله وهو يقظان؟

*****


جميع الحقوق محفوظة لـ مدونة عُكاظ ©